محمد بن جرير الطبري

26

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض وما أشبه ذلك من أحكام آية التي لم يدرك علمها الا ببيان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لامته وهذا وجه لا يجوز لاحد القول فيه الا ببيان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم له بتأويله بنص منه عليه أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله وأن منه مالا يعلم تأويله الا اللّه الواحد القهار وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة وأوقات آتية كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور ونزول عيسى بن مريم وما أشبه ذلك فان تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها ولا يعرف أحد من تأويلها الا الخبر بأشراطها لاستئثار اللّه بعلم ذلك على خلقه وكذلك أنزل ربنا في محكم كتابه فقال يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل انما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم الا بغتة يسألونك كأنك حفىّ عنها قل انما علمها عند اللّه ولكن أكثر الناس لا يعلمون وكان نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم إذا ذكر شيئا من ذلك لم يدل عليه الا بأشراطه دون تحديده بوقت كالدى روى عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لأصحابه إذ ذكر الدجال ان يخرج وأنا فيكم فانا حجيجه وان يخرج بعدي فاللّه خليفتي عليكم وما أشبه ذلك من الاخبار التي يطول باستيعابها الكتاب الدالة على أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يكن عنده علم أوقات شئ منه بمقادير السنين والأيام وان اللّه جل ثناؤه انما كان عرّفه مجيئه بأشراطه ووقته بأدلته وأن منه ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن وذلك إقامة إعرابه ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها فان ذلك لا يجهله أحد منهم وذلك كسامع منهم لو سمع تاليا يتلو وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا انما مصلحون ألا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون لم يجهل أن معنى الإفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرّة وأن الإصلاح هو ما ينبغي فعله مما فعله منفعة وان جهل المعاني التي جعلها اللّه إفسادا والمعاني التي جعلها اللّه إصلاحا فالذي يعلمه ذو اللسان الذي بلسانه نزل القرآن من تأويل القرآن هو ما وصفت من معرفة أعيان المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها والموصوفات بصفاتها الخاصة دون الواجب من أحكامها وصفاتها وهيآتها التي خص اللّه بعلمها نبيه صلى اللّه عليه وسلم فلا يدرك علمه الا ببيانه دون ما استأثر اللّه بعلمه دون خلقه وبمثل ما قلنا من ذلك روى الخبر عن ابن عباس ( حدثنا ) محمد بن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال قال ابن عباس التفسير على أربعة أوجه وجه تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه الا اللّه قال أبو جعفر وهذا الوجه الرابع الذي ذكره ابن عباس من أن أحد الا يعذر بجهالته معنى غير الإبانة عن وجوه مطالب تأويله وانما هو خبر عن أن من تأويله ما لا يجوز لاحد الجهل به وقد روى بنحو ما قلنا في ذلك أيضا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبر في اسناده نظر ( حدثني ) يونس بن عبد الأعلى الصدفي قال أخبرنا ابن وهب قال سمعت عمرو بن الحرث يحدث عن الكلبي عن أبي صالح مولى أم هانئ عن عبد اللّه بن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه الا اللّه ومن ادعى علمه سوى اللّه فهو كاذب